ابن الجوزي
285
صيد الخاطر
فإن كان ما صح عنده فالكلام اذن في اثبات النبوة وصحة القرآن ، فما وجه ذكر الفرع مع جحد الأصل . وان قال : قد ثبت عندي ، فواجب عليه أن يتحمل لإقامة العذر ، لا أن يقف في وجه المعارضة . وانما ينكر هذا من يأخذ الامر من الشاهد . وقد بينا أن ذات الحق لا كالذوات . وان صفته لا كالصفات ، وأن أفعاله لا تعلل . ولو تلمح شيئا من التعليل لخلود الكفار لبان ، إذ من الجائز أن يكون دوام تعذيبهم لاظهار صدق الوعيد . فإنه قال : من كفر بي خلدته في العذاب ، ولا جناية كالكفر ولا عقوبة كدوام الاحراق ، فهو يدوم ليظهر صدق الوعد . ومن الجائز أن يكون ذلك لتتمة تنعيم المؤمنين فإنهم أعداء الكفار ، وقد قال سبحانه « وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ » وكم من قلق في صدر وحنق على أبي جهل فيما فعل ، وكم غم في قلب عمّار وأمه سمية وغيرهم من أفعال الكفار بهم فدوام عذابهم شفاء لقلوب أهل الايمان . ومن الجائز أن يدوم العذاب لدوام الاعتراض وذكر المعذب بما لا يحسن ، فكلما زاد عذابهم زاد كفرهم واعتراضهم فهم يعذبون لذلك . ودليل دوام كفرهم « و فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ » فاذن كفرهم ما زال ، ومعرفتهم به ما حصلت ، والشر كامن في البواطن ، وعلى ذلك يقع التعذيب « وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ » . 238 - لا تعترض على الخالق ينبغي للمؤمن باللّه سبحانه إذا نظر في الفصل الذي تقدم هذا أن لا يعترض على اللّه سبحانه في شيء لا في باطنه ولا في ظاهره ، ولا يطلب تعليلات أفعاله . فان المتكلمين أعرضوا عن السنن « 1 » وتكلموا بآرائهم فما صفى لهم شرب ، بدليل اختلافهم . وكذلك اضمار القياس لمّا أعملوه جاءت أحاديث تعكر عليهم . والصواب التعليل لما يمكن ، والتسليم لما يخفى . وكذلك سؤال الحق سبحانه ، فإذا دعا المؤمن ولم ير إجابة سلّم وفوض وتأول للمنع ، فيقول : ربما يكون المنع أصلح ، وربما يكون لأجل ذنوبي ، وربما يكون التأخير أولى ، وربما لم يكن هذا مصلحة . وإذا لم يجد تأويلا لم يختلج في باطنه نوع اعتراض ، بل يرى أنه
--> ( 1 ) هذا الكلام ينطبق على من أعرض عن السنن ، ومتكلمو الأشاعرة لم يعرضوا عنها فلا يشملهم .